كان الوقت عصراً، وكانت الشمس، التي نرقبها من كوة ضيقة، وهي تغرب كل يوم، تسارع إلى الاختفاء وراء الأفق، عندما  دخل جبار لفتة حمام المعتقل، وبعد دقائق قليلة تسربت من فتحة باب الحمام السفلى، بضع قطرات من دم أحمر قان مثل لون الرمان الناضج، ثم انسابت بهدوء كما جدول صغير آمن.  في تلك الليلة، وعلى غير العادة، احتدم نقاش من نوع خاص لم يألفه معتقل الأمن العامة في بغداد.  كانت ردهتنا الضيقة المجاورة للباب الرئيسي، تعج بالمعتقلين، الذين جاؤوا من الردهات الأخرى، كي يستمعوا أو يشاركوا في ذلك النقاش الصاخب. لم يبق أحد لم يشارك في الحديث، حتى محسن فرحان، الذي كنا نتندر على نومه الطويل والثقيل، كان من أشد المتحمسين للنقاش. لم ينم محسن فرحان في تلك الليلة، مع أنه كان مولعاً بـ (نومة العصر) كما يسميها. كان يقول لنا: يا جماعة.. الحل الوحيد للخلاص من كآبة المعتقل ومن صراخ الحراس، هو النوم.. نامو  يا جماعة، نامو، تصبحون على قرار إفراج إنشاء الله!

    هكذا كان محسن فرحان يردد على مسامعنا كل يوم تقريباً وهو يهم بتغطية وجهه بتلك البطانية المهترئة، التي اشتراها من عزيز الكردي، نزيل الردهة المجاورة. لكن محسن فرحان ظل، في تلك الليلة سهران حتى الفجر، مهموماً ومكتئبا. فقد كان الوقت عصراً، وكانت الشمس التي نرقبها من كوة ضيقة، وهي تغرب كل يوم، تسارع إلى الاختفاء وراء الأفق، عندما دخل جبار لفتة حمام المعتقل، وبعد دقائق قليلة تسربت من فتحة باب الحمام السفلى، بضع قطرات من دمٍ أحمر قانٍ مثل لون الرمان الناضج، ثم انسابت بهدوء كما جدول صغير آمن. فاحتدم النقاش في المعتقل على غير العادة.

    كانت أمسياتنا، في الأيام الطويلة الماضية، تمر رتيبة وثقيلة في الغالب، عدا تلك الليالي الشحيحة، التي كنا نتوسل فيها حامد الأسود، الصحافي المخضرم، لكي يغني لنا بعض أغاني محمد عبد الوهاب، التي كان يجيدها بطريقة مدهشة تجعل حتى حراس المعتقل يتركون مناوباتهم ويأتون ليتسمعوا الغناء من خلف الكوة الضيقة للردهة. أما مشاغل المعتقلين وأحاديثهم فلم تكن تتعدى تلك المناقشات العابرة أو تلك الذكريات المملة. كان منذر العاني مثلاً، وهو ضابط شاب لم تمض غير بضعة أشهر على تخرجه من الكلية العسكرية، يحدثني يومياً وبتكرار غريب عن خطيبته سميرة، وكيف كانا يلتقيان كل يوم خميس في حديقة الزوراء الكبيرة وسط بغداد. وغالباً ما كنت أقبل بالاستماع إليه مضطراً وهو يكرر عليَ حكايته عينها وبالتفاصيل نفسها، فقد كنت أشعر أنه حين يحدثني عن ذكرياته تلك، إنما كان يتخفف بذلك من مزاج المعتقل الثقيل ومن ضنك الردهة الضيقة. كنت أتركه يواصل سرد حكايته المعهودة، متصنعاً الإنصات إليه بكل اهتمام.

    أول شيء أفعله كنت أتقدم بهدوء نحو مدرب المعسكر العريف حسن مهنا (هكذا يبدأ منذر حكايته اليومية) أخرج من جيبي علبة دخان الروثمان وأقدم له سيجارة منها، فيبادرني العريف حسن بابتسامته الودودة وهو يردد بصخب: أكيد.. أكيد تريد مني شيئاً أستاذ منذر. لكنني لا أبادله الابتسامة بل أبدأ الكلام بهدوء بعد أن أجعل من صوتي رخيماً وحزيناً: أبو فلاح أمي.. أمي أبو فلاح مريضة جداً وعليّ أن أذهب لرؤيتها اليوم قبل أن تموت. فيرد العريف حسن بأسى وتشجيع: لا سمح الله.. لا سمح الله.. روح أخي منذر، بس رجاءً إذا صادفك سيادة المقدم.. أنا غير مسؤول.. مفهوم!

    أما سميرة (يواصل منذر حكايته) فقد كانت تقول لأهلها أنني سأنقل إلى الشمال وعليها رؤيتي قبل السفر. وهكذا كنا نشبر الزوراء شبراً شبراً مع كيس من الحب الأبيض . آهٍ..آه كم كانت تلك الأيام جميلة! وكم كنت أحلم! (يسرح منذر بالحديث وكأنه يحلم حقاً) لقد كنت أتصور في أيام الخميس تلك، إن عليّ أن أعيد صياغة الكون، أن أعيد ترتيب النهار على نحو جديد، أقصره قليلاً وأجعله أكثر هدوءاً، من أجل أن يتاح للعشاق والشعراء تمضية الوقت بأكبر قدر ممكن من المتعة والتأمل والصفاء... أو أن أجعل من زرقة السماء تميل إلى البنفسجي أو إلى النهدي الفاتح.. أن ألوّن الريح ببعض الزهري مع شيء من الأصفر البرتقالي، وأخيراً أن أترك للمطر حرية الهطول الهادىء وقت العصر، مع تعديل بسيط في الغروب.. آهٍ.. آهٍ (يضحك منذر بأسى) كم كانت تلك الأيام جميلة! وكم كنت أحلم!

    وفي يوم من أيام الخميس تلك يكتشف العريف حسن مهنا مصادفة أن منذر العاني كان يكذب عليه وإن أمه متوفاة منذ كان طفلاً في الخامسة من عمره، فيحذره في ذلك اليوم من أن هذا هو آخر خميس يسمح له فيه بالخروج من المعسكر.. يا للحظ العاثر! (هكذا يقطع منذر حكايته دائماً ثم يواصل السرد) تصور.. الشيء نفسه يحدث لسميرة عندما يقف شقيقها الأكبر ويقول لها بكل خشونة: هذه آخر مرة نسمح لك بالخروج من البيت فمنذ أشهر وأنت تقولين أن منذر سينقل إلى الشمال.. هل تلعبين علينا؟ كان ذلك آخر خميس يلتقي فيه منذر وخطيبته سميرة في حديقة الزوراء الكبيرة وسط بغداد، وبعد وقت قصير من ذلك الخميس يعتقل منذر ويأتون به إلى الأمن العامة مقيداً بعد أن ينتزعوا النجيمات الذهبية عن كتفه الصغير.

    ماذا تفعل سميرة الآن؟ كمن يسأل نفسه، كان منذر، في كل يوم وبعد أن ينتهي من سرد حكايته، يسألني هذا السؤال: ماذا تفعل سميرة الآن؟ وكنت أتطلع إليه بعطف دون أن أجيب عن سؤاله بالطبع لأنني، ببساطة، لا أعرف سميرة ولا أعرف ماذا تفعل الآن. أنا متأكد أن سميرة تقرأ الآن (يجيب منذر نفسه ويواصل) إنها تحب القراءة في الليل.. نعم.. نعم.. ولابد أنها تقرأ في ديوان مظفر النواب، إنها تحب الشعر وقد حصلت على نسخة من هذا الديوان جلبها صديق كان في زيارة لبيروت.. إنها النسخة الوحيدة في العراق.. تصور… آه.. آه.. عمر وتعده الثلاثين لا يفلان… عمر وتعده وتعديت ولا طارش جذب وديت.. ولأمره شلت عينك تعرف البيت.. وكالولي عليك هواي.. كالولي.. كالولي.. يا عيني يا مظفر يا عيني يا سميرة. هكذا يختم منذر حكايته اليومية بترديد قصيدة لمظفر النواب ثم يعاجلني بطلب طريف قائلاً بتوسل: الله يخليك.. الله يخليك غني لي أغنية هذا مو إنصاف منك غيبتك هل كد تطول؟ فأبدأ بالغناء مشفقاً عليه أما هو فيغمض عينيه ليتسمع بهدوء ثم يبدأ بالنوم شيئاً فشيئاً، وقبل أن أكون قد أكملت الأغنية يكون منذر قد استغرق ونام.

    ولكن في تلك الليلة، عندما دخل جبار لفتة حمام المعتقل، وبعد دقائق قليلة تسربت من فتحة باب الحمام السفلى، بضع قطرات من دمٍ أحمر قانٍ مثل لون الرمان الناضج، انسابت بهدوء كما جدول صغير آمن، واحتدم النقاش في المعتقل، نسي منذر العاني أن يحكي لي حكايته الأثيرة عن خطيبته سميرة، فقد اندمج في ذلك النقاش الصاخب الذي استمر حتى الفجر.

    إنه هروب من الحياة، وسط جو الكآبة المخيم على المعتقل، جاءت عبارة منذر هذه، مثل ضحكة صاخبة في مجلس عزاء، فقد أشاح بعض المعتقلين بوجوههم نحو الباب وطأطأ البعض الآخر رؤوسهم، عدا محسن فرحان فقد نظر إليِ كمن يريد أن يشهد أحداً على واقعة مريبة، ثم تحدث وهو يتمتم مع نفسه: إنها أسهل الطرق لاختصار مصائر الناس.. هروب من الحياة.. إنها تذكرني بعنوان لفيلم مصري!  لم يستسغ منذر تعليق محسن الساخر على كلامه، لكن جو الوقار السائد جعله يرد بهدوء: لكن أستاذ محسن ماذا تسمي انتحار إنسان.. وإنسان مناضل بالذات؟… أنا أحترم جبار لفتة مثلك تماماً لكن ماذا في وسعنا أن نعتبر فعلته غير هروب من الحياة.. من النضال.. من مواجهة التعذيب والـ... أنا أعتبرها أقصى حالات الشجاعة والإقدام (رد محسن مقاطعاً واستطرد) حين يمسك الإنسان بسكينة صدئة ويجز وريده وينظر إلى دمه وهو يتدفق، مثلما فعل جبار، فهذه في اعتقادي أقصى حالات الشجاعة وفعل لا يدانيه فعل آخر في الإقدام!  أنا أتفق معك أنه قد يكون نوع من أنواع الشجاعة (عقب منذر بهدوء ثم احتد) لكنها شجاعة سلبية يا أستاذ محسن، فالشجاعة الحقيقية هي أن يواجه الإنسان الظروف والمعاناة وأن يعطي المثال للآخرين على أمكان المضي قدماً بالنضال وتحقيق الأهداف الـ (هنا استشاط محسن غضباً ورد بانزعاج) أخي منذر ممكن ننهي هذا النقاش لأننا لن نتفاهم بهذه الطريقة.. فأنت تتحدث عن الإنسان وكأنه جهاز روبوت، إنسان بدون أحاسيس بدون مشاعر بدون مشكلات روحية ونفسية.. أخي هناك أزمة روحية عامة، كونية. هناك الآلاف في الغرب ينتحرون رغم أن حرياتهم غير مقيدة ولا يشكون من قمع أو إرهاب أو أي شيء يتعلق بحياتهم المعيشية أو السياسية، فماذا نسمي هؤلاء.. ها.. هاربون من النضال وأي نضال؟ ولكن أنا لا أتحدث عن الإنسان العادي (رد منذر بهدوء مرة أخرى) أنا أتحدث عن الإنسان المناضل، الإنسان الذي نذر نفسه لمهمة إنسانية نبيلة. أخي منذر أرجوك ننهي هذا النقاش (كرر محسن طلبه إنهاء النقاش لكنه واصل الحديث) أنا ليس لدي فرق بين إنسان وإنسان آخر. كل البشر لديهم الأحاسيس نفسها، لكن بعضهم يرتضي حياته رغم شعوره باللاجدوى والإحباط والاندحار، وبعضهم الآخر ينهي هذه الحياة بسكينة صدئة أو بشيء آخر! وما هو رأيك أنت؟ (يسأل منذر بتهكم فيرد محسن) أنا اعتبر النوع الثاني أكثر شجاعة وصدقاً مع الذات، لأن النوع الأول، في اعتقادي، يكابر من أجل ملذات صغيرة وتافهة لا أكثر ولا أقل.  ولماذا لا تنتحر أستاذ محسن؟ (سأل منذر في محاولة لإحراج محسن الذي رد بكل هدوء) لا أنتحر‍.. لأنني ببساطة لست شجاعاً يا سيادة الملازم، هذه كل القضية.. لا أكثر ولا أقل!

    لم يكن هذا النقاش هو الوحيد الذي كشف لنا عن اختلاف وجهتي نظر منذر العاني ومحسن فرحان، فقد كانا يختلفان على الدوام، أو يتناكدان في الحقيقة، فقد كان منذر يتضايق من نوم محسن الطويل والثقيل فيتندر على هذا الموضوع في كل مناسبة، كان يقف على رأس محسن، في اللحظة التي يهم فيها بالنوم ويقول: هل تعرفون لماذا ينام محسن كل هذا الوقت؟ إنه في الواقع يريد أن ينسى حاضره، وأنا بالطبع لا أنكر أن الحاضر مرير وكئيب، لكن محسن لا يدرك إن النوم وسيلة اليائسين لعبور الحاضر أو القفز عليه! (فيرد محسن بعد أن يخرج وجهه من تحت البطانية) وكيف تريدنا أن ننسى هذا الحاضر المرير والكئيب يا سيادة الملازم؟

    أنا أعتقد (يرد منذر) أن عبور الحاضر يتم بمواجهته أستاذ محسن لا بالنوم، لأن النوم على الحاضر يسبب لك سوء هضم في مستقبلك! ( ينزعج محسن فيرد كالمهزوم) أخي هذي وسيلتي الوحيدة، ماذا أفعل؟.. أما أنتم دعاة تغيير الحاضر وامتلاك الماضي والمستقبل، فاترك لكم كل شيء.. اتركوني في همي الله يخليكم.

    هكذا كانت النقاشات والمماحكات تبدأ ولا تنتهي، أما أنا فقد كنت مأخوذاً  في تلك الليلة، بقطرات الدم التي انسابت من فتحة باب الحمام السفلى، مثل لون الرمان الناضج، وكما جدول صغير آمن، عندما دخل جبار لفتة حمام المعتقل، وكان الوقت عصراً وكانت الشمس التي كنا نرقبها من كوة ضيقة وهي تغرب كل يوم، تسارع إلى الاختفاء وراء الأفق. كان انسياب قطرات الدم تلك يذكرني بهدوء جبار لفته، وخاصة في تلك الأيام التي سبقت انتحاره. فلم يكن جبار يتحدث إلا نادراً وكنا نمازحه أحياناً ونحاول حمله على الحديث لكنه لم يكن يستجيب إلا بحدود الرد على سؤال أو أن يبتسم قليلاً ثم يعود إلى صمته وعبوسه.

    مرة سألت جبار عن رفيقه فاخر مدلل (أو كما كنا نسميه ابن دعوته) فقد كانا قد اعتقلا معاً، وكانا يستدعيان إلى التحقيق معا أيضاً، لكنهما وفي كل مرة يعودان بها من التحقيق، كان يبدو عليهما الإرهاق من آثار التعذيب وكذلك الانزعاج من بعضهما البعض، وكان ذلك يجلب انتباهي على الدوام. وفي آخر مرة ذهبا فيها إلى التحقيق عاد جبار بدون فاخر، الذي لم نره بعد ذلك.  ورغم الأسئلة المتكررة التي كنا نوجهها إلى جبار، فقد كان يتهرب أو يترك الردهة إلى ردهة عزيز الكردي، الذي كان يعطف على جبار كثيراً ويحاول شد أزره. كان عزيز الكردي وحده من يعطينا صورة متخيلة عن تفاصيل التعذيب الذي تعرض له جبار وفاخر، دون أن تكون له أية صلة بالأمر طبعاً. كان يأتي إلى ردهتنا حال يعودان من التحقيق، ينظر إلى عيني جبار المتورمتين ويقول له: أكيد هذي ضربات الحقير ملازم نعمة.. إنه لا يضرب إلا على العينين، أليس كذلك؟.. وهذه.. هذه (ويؤشر عزيز على شفة فاخر المفلوقة) إنها بكل تأكيد من بوكسات الحقير عريف حامد.. فيومىء فاخر موافقاً وهو يبتسم بصعوبة. كان البعض من المعتقلين وهم يتلذذون بسخرية عزيز ولكنته الكردية المحببة، لا يصدقون كلامه، لكن البعض الآخر كانوا يندهشون من حدسه وقدرته على معرفة أسماء الجلادين وطريقة تعذيبهم للمعتقلين. وفي الواقع لا يتمتع عزيز بغير المزاج المرح والساخر وبحصيلة ممتازة من أيام التعذيب التي جعلته يعرف بالضبط أين يضرب ملازم نعمة المعتقل وكيف يضرب العريف حامد. كان عزيز يعطف على جبار لفته كثيراً ويحاول إضحاكه وإدخال السرور على قلبه، خاصة في تلك الأيام التي أصيب فيها جبار بالكآبة بعد عودته من التحقيق بدون رفيقة فاخر. وفي كل مرة كان ضحية سخرية عزيز الكردي هو محسن فرحان، فقد كان عزيز يجعل منه موضوعاً للتنكيت بسبب نومه الطويل والثقيل، كان يأتي إلى ردهتنا في اللحظة التي يبدأ فيها محسن (نومة العصر) يقف على رأسه ويقول: والله والله لو أن السيد العام (هكذا كانوا يسمون مدير الأمن العام) يعرف أنك تنام كل هذا الوقت لأطلق سراحك فوراً.. أكل ونوم يا مال الكوم.. شنو قابل فاتحين فندق؟ فيحاول محسن تجنب الحديث أو الرد على عزيز لكنه لا يتمالك نفسه فيضحك وهو تحت البطانية، ثم يرد عزيز على ضحك محسن: أيه طبعاً تضحك.. غداً يطلق سراحك فتصبح مناضلاً برأس الناس.. من يدري أنت كنت مخلصها نوم بنوم؟

    كانت لدى عزيز كردي حكاية طريفة لم يبق أحد في المعتقل لا يعرف تفاصيلها وكان، كلما يريد روايتها، يقوم بتمثيل بعض الأفعال المضحكة فيها فيجتمع المعتقلون حوله من كل الردهات. يقول عزيز: أول أسبوعين من اعتقالي أكلت ضرب لا يتحمله الحمار حاشاكم.. ومرة أشرف على التحقيق معي السيد العام نفسه ( يتلفت ويهمس لنا: يعني الأستاذ ناظم أبو حرب، بذاته!) كان عبوساً ومتجهماً إلى حد مخيف في ذلك اليوم وكان الجلادون من حولي يستعدون للحفلة. بدأ الضرب أول الأمر بالعصي والأيدي، ثم بالصوندات، ثم بالفلقة، لكن أخوكم صمد بقدرة قادر، وأخيراً ومن شدة انزعاجه ونفاذ صبره  قام السيد العام نفسه وركلني على بطني ركلة لم أتمالك أعصابي معها، فضرطت ضرطة ترددت أصداؤها داخل غرفة التحقيق، وإذا  بالسيد العام يجلس على الأرض من الضحك، وبعد أن هدأ قال لهم: اتركوه.. اتركوه هذا القواد ما راح يطلع منه غير الضراط!  ومنذ  ذلك اليوم انتهى التحقيق معي. وهكذا يضحك المعتقلون على حكاية عزيز حتى تدمع عيونهم.  لكن في تلك الليلة، عندما دخل جبار لفته حمام المعتقل وتسربت بعد دقائق قليلة بضع قطرات من دم أحمر قانٍ مثل لون الرمان الناضج واحتدم النقاش داخل المعتقل، لم يأتِ عزيز الكردي إلى ردهتنا ولم يروِ حكايته الطريفة للمعتقلين. فقد ظل يبكي ويبكي بحرقة وألم في زاوية ردهته المعتمة. وكنت الوحيد الذي لم يشارك في النقاش، كنت مذهولاً بذلك المشهد، وبتلك القطرات الحمراء من الدم القاني التي انسابت بهدوء كما جدول صغير آمن، فذكرتني بهدوء جبار لفته وصمته في أيامه الأخيرة، فقبل يوم واحد، كما أعتقد، من انتحاره، ألححت على جبار بالسؤال عن رفيقه فاخر: ما الذي حدث لفاخر يا جبار.. هل أطلقوا سراحه؟ هل اعترف عليك؟ هل أعدموه؟ احك.. احك، لماذا تتهرب كلما سألناك عنه؟ ألا يحق لنا أن نعرف شيئاً عن مصير صديق ورفيق كان يأكل ويشرب ويسهر معنا طوال أشهر عديدة؟؟ وبعد لحظات فوجئت بجبار وهو يبكي، كان ينشج بحرقة وأنين لا حدود لهما.. ثم نظر إليّ وكان الدمع لا يزال يترقرق في عينيه: ماذا أقول لك ومن أين أبدأ.. ومن يصدقني؟ (تحدث جبار برجاء وتضرع)  فقلت له: أنا أصدقك يا جبار.. ثق بذلك، فأنا أعرفك جيداً وأعرف كم أنت طيب وصادق، ولكن قل لي ما الذي حصل لفاخر؟ 

    لقد أجبرونا في جلسة التحقيق الأخيرة على أن نضرب بعضنا البعض. كيف حدث ذلك؟ تساءلت مندهشاً، فرد جبار قائلاً: هذا الذي حدث.. لا أعرف كيف ولكنه حدث. في البداية امتنعنا عن ذلك لكنهم ضربونا بقسوة، كانوا يضربون من يمتنع عن ضرب رفيقه بقسوة لا تصدق ويطلبون منه تنفيذ أوامرهم! وبعد ذلك، سألت جبار فقال: بعد ذلك نفذنا، أو قل نفذت أنا ما طلبوه مني، فقد قدرت، وكنت أعتقد أن فاخر قدر الشيء نفسه، إن ضربنا لبعض قد يكون أرحم وأقل قسوة مما نتعرض له على أيديهم، فقمت بضرب فاخر أول الأمر لكنه لم يرد عليّ فضربوه بسبب ذلك، ضربوه بوحشية وحقد، ومن شدة حزني عليه رحت أضربه وأطلب منه أن يرد عليّ، أن يضربني بالمثل لكي يكفوا عن ضربه، لكنه كان يمتنع في كل مرة دون أن يقول شيئاً، فصاروا يضربونه بقسوة أكثر وصرت أنا اضربه أيضاً لكي أخلصه منهم. كنت اضرب وأضرب وأصرخ به اضربني.. اضربني يا فاخر ثم أقوم بضربه، أضرب وأضرب وأصرخ به وكانوا هم يضربونه ويضربونه حتى.. حتى ماذا يا جبار، سألته فمضى يحكي ودموعه كانت تنزل على يديه المسبلتين في حضنه: حتى.. حتى بدأ الدم يتفجر من فمه ومن أنفه وحتى من عينيه.. لا أعرف من أين صار الدم يتفجر، لم أعد أرى شيئاً غير الدم، لقد سبح بدمه فسقط مغمياً عليه، وبعد لحظات سقطت أنا أيضا.. لقد سقطنا معاً، فاخر من شدة آلامه المبرحة وجروحه العميقة وأنا من تفاهتي وشعوري بالعار والخزي, وماذا بعد؟ كان ذلك آخر سؤال وجهته لفاخر فرد يائساً: ماذا بعد؟ عندما عدت إلى الوعي، أحسست شيئاً فشيئاً بفعلتي الشنيعة فبكيت كما لم أبكِ من قبل، لقد كان عليّ أن أحترس.. هذا ما انتبهت إليه متأخراً وبعد فوات الأوان، وهكذا صار عليّ لا محالة، أن أدفع الثمن من نفسي.. لقد أحسست في تلك اللحظات، حين تيقنت تماماً إن غلطتي كانت فادحة وإن وهمي كان مريعاً، وكأن شيئاً عظيماً قد تحطم في روحي، شيئاً مهيباً وبراقاً قد انهار دفعة واحدة، شيئاً ناصعاً وشفافاً وخلاباً قد تلوث في مستنقع الخطأ أو تكسر كما تتكسر قطعة من زجاج.  في تلك اللحظات شديدة البؤس والخجل والمرارة، فقدت الأشياء، كل الأشياء، معانيها وألوانها وطعمها، لقد استحال كل شيء إلى حجر.. إلى رماد.. وهكذا صار علي أن أدفع الثمن من نفسي لا محالة. وفي تلك الليلة، كان الوقت عصراً وكانت الشمس التي نرقبها من كوة ضيقة وهي تغرب كل يوم، تسارع إلى الاختفاء وراء الأفق، دخل جبار لفته حمام المعتقل، حز وريده بسكينة صدئة فتسربت، بعد دقائق قليلة، من فتحة باب الحمام السفلى، بضع قطرات من دم أحمر قانٍ مثل لون  الرمان الناضج، انسابت بهدوء.. بهدوء.. كما جدول صغير آمن.

    * الحكاية حدثت بالفعل عام 1972

الى الاعلى